إنّ التعليم الذي يُبنى على التلقين وحده، لا يُنشئ إنساناً متزناً، ولا يصنع عقلاً فاعلاً.
فالعقول التي تعتاد على الحفظ الأجوف، لا تُنتج معرفة، ولا تنهض بأمة، بل تظل أسيرة لما يُملى عليها.
التدريس الحديث لا ينقض قيمة المعلومة، ولكنه يقدّم الطريقة على النتيجة، والفهم على الحفظ، والسؤال على الجواب الجاهز.
إنه يُدرّب العقل على العمل لا على التلقي، وعلى النقد لا على الترديد، وعلى بناء الرأي لا على التبعية الفكرية.
المدرّس الحديث لا يقف في الصف ليكون مصدر المعرفة الوحيد، بل ليكون موجّهاً ومحفّزاً، يصنع من لحظات الدرس فرصًا لتكوين الوعي، وتحريك التفكير، وإثارة الفضول.
وقد ثبت بالتجربة أن الطالب إذا شارك في الوصول إلى المعلومة، فإنها تترسخ في نفسه، وتصنع داخله أثراً مضاعفاً على المدى البعيد، مقارنة بما يسمعه دون أن يتفاعل معه أو يفهم علته.
نحن لا نحتاج إلى المزيد من الحافظين، بل إلى موجة جديدة من المفكرين والمتسائلين الذين يحسنون الإنصات للواقع، ويُتقنون البناء على ما سبقهم من العلم والمعرفة.
التحول من التعليم التلقيني إلى التعليم التفاعلي ليس خياراً جمالياً أو تطويرياً، بل هو ضرورة تتعلق بمستقبل الأمة، وبقوة الإنسان ذاته.
د.عبدالكريم بكــــــار