في البيت… لا يتعلّم الطفل من الكلمات، بل من الجو العام.
هو لا يسمع ما نقوله فقط، بل يقرأ النبرة، ويشعر بالتوتر، ويفهم الصمت، ويلتقط نظرات العيون قبل أن يفهم المعاني.
البيت هو “مختبر الأمان الأول”، ومنه تتشكّل نظرته لنفسه وللعالم.
حين يرى والديه مرتاحين، متحابّين، يختلفان بهدوء ثم يتصالحان…
يتكوّن في داخله شعور بسيط لكنه حاسم:
العالم مكان آمن، والخلاف لا يعني الانهيار.
لكن حين يرى النزاع أمامه، وارتفاع الصوت، وكسر الاحترام، أو صمتًا باردًا طويلًا بلا تفسير…
يتعرّض لضغط نفسي يشبه تمامًا وضع قطعة بلاستيك رقيقة تحت مكبس ضغط هائل.
هي لا تنكسر فورًا، لكنها تتشوّه من الداخل، ومع الوقت تفقد مرونتها وشكلها الطبيعي.
علم النفس يصف هذا بما يُسمّى “اهتزاز الأمان العاطفي”.
الطفل يحتاج إلى علاقة مستقرة بين أقرب شخصين إليه ليبني توازنه النفسي.
وحين تتكرر الخلافات الزوجية أمامه، خصوصًا الخلافات الحادّة أو غير المحسومة، ترتبط هذه الحالة علميًا بزيادة القلق، واضطرابات السلوك، وصعوبات التركيز، وتراجع الدافعية، وأحيانًا أعراض اكتئابية في مراحل لاحقة من العمر.
والأثر لا يقف عند الجانب النفسي فقط.
الدراسات تشير إلى أن التوتر الأسري المزمن يفعّل استجابة الضغط في جسم الطفل، فيرتفع هرمون التوتر (الكورتيزول) بشكل متكرر.
هذا الارتفاع المتكرر لا يظهر فورًا، لكنه قد ينعكس جسديًا على شكل:
اضطرابات نوم، صداع متكرر، آلام في المعدة، ضعف مناعة، توتر عضلي، أو إرهاق بلا سبب واضح.
الجسد هنا يعبّر عمّا لم يجد الطفل لغة ليقوله.
وهنا تكمن المشكلة الأعمق:
الطفل لا يملك مفردات يشرح بها هذا الارتباك.
فهو لا يقول: “أنا متوتر نفسيًا”،
بل يظهر ذلك سلوكًا: عصبية، عناد، انسحاب، تشتت، تعلق مفرط، أو هروب إلى شاشة.
تأمّلوا هذا المشهد البسيط:
طفل يشاهد خلافًا حادًا بين والديه، ثم بعد دقائق يُطلب منه أن يتصرف وكأن شيئًا لم يكن، أو يُطلب منه أن “يكون طبيعيًا”.
في داخله تبدأ أسئلة صامتة:
هل البيت آمن أم مهدد؟
هل الحب ثابت أم مؤقت؟
هل أنا سبب ما يحدث؟
هل أتدخل أم أختفي؟
هذه الحيرة لا تمرّ بلا أثر؛ بل تتحوّل مع الزمن إلى نمط داخلي في فهم العلاقات والثقة والارتباط.
لهذا، فإن إظهار الحب، والطمأنينة، والاحترام بين الزوجين أمام الأطفال ليس مسألة شكلية، ولا ترفًا تربويًا.
إنه حماية نفسية، ووقاية جسدية، وتربية صامتة أقوى من آلاف الكلمات.
ثلاث رسائل عملية تصنع فرقًا حقيقيًا:
– لا تجعلوا أطفالكم شهودًا دائمين على خلافاتكم.
– وإن حدث الخلاف أمامهم، فليحدث الصلح أمامهم أيضًا، ولو بجملة بسيطة تطمئنهم.
– عبّروا عن المودة بشكل طبيعي: كلمة طيبة، تعاون، ابتسامة صادقة… فهذه لغة أمان.
كثير من سوء السلوك ليس تمردًا… بل طلب أمان.
وكثير من الفشل ليس ضعفًا… بل ضغطًا لا يعرف صاحبه كيف يعبّر عنه.
وأغلب ما يحتاجه الطفل لينمو سليمًا نفسيًا وجسديًا…
أن يرى بيته بخير.